التكنولوجيا المالية في المغرب

Share
التكنولوجيا المالية في المغرب
Photo by Clay Banks / Unsplash

تُشكل التكنولوجيا المالية، أو ما يُعرف اختصاراً بـ "الفينتيك" (Fintech)، واحدة من أبرز الركائز الأساسية للابتكار والشمول في الاقتصاد الرقمي الحديث. وفي سياق السعي الوطني نحو تسريع الرقمنة وتقليص المعاملات النقدية (الكاش)، تسلط الضوء المؤسسات والخبراء في المغرب على هذا القطاع الواعد لاستكشاف فرصه ومواجهة تحدياته.

في هذا المقال، نلخص أبرز ما جاء في النقاشات الأخيرة بين خبراء القطاع، وعلى رأسهم بدر بلاج، الخبير في البلوك تشين والتكنولوجيا المالية، ومحمد بن قدور، المدير العام للجمعية المهنية لمؤسسات الأداء (APSF)، حول واقع ومستقبل الفينتيك بالمملكة.

ما هي "الفينتيك" وما دورها اليوم؟

تجمع كلمة "فينتيك" بين المادية (Finance) والتكنولوجيا (Technology). والمقصود بها هي تلك الشركات الناشئة والمقاولات التي تسخر الحلول التقنية الحديثة لتقديم خدمات مالية مبتكرة. وتكمن القوة الضاربة لهذه الشركات في قدرتها على تقديم خدمات سريعة، منخفضة التكلفة، والأهم من ذلك، قدرتها على معالجة ثغرات وحل مشاكل تعجز المنظومة البنكية التقليدية عن حلها بسلاسة.

أبرز التحديات التي تواجه القطاع في المغرب

رغم المؤهلات الكبيرة، يواجه الفاعلون في مجال التكنولوجيا المالية في المغرب مجموعة من العقبات الهيكلية:

  1. الفراغ الإطاري والقانوني: لا يزال هناك غياب لإطار قانوني واضح يمنح "صفة الفينتيك" بشكل رسمي. كما أن المساطر التشريعية تأخذ وقتاً طويلاً، ومثال ذلك قانون "التمويل التشاركي" الذي استغرق سنوات لاعتماده.
  2. الحمائية الاقتصادية: تعاني بعض المجالات المادية من نوع من الاحتكار والحمائية التي تصعّب مأمورية الشركات الناشئة والصغيرة في الولوج والمنافسة.
  3. غياب البنوك المفتوحة (Open Banking): على عكس التجربة الأوروبية التي تلزم الأبناك بفتح بنيتها التحتية، تجد شركات الفينتيك في المغرب صعوبة بالغة في الربط التقني والتواصل الرقمي مع المنظومة البنكية الكلاسيكية.
  4. العامل الثقافي وسلوك المستهلك: لا يزال هناك نوع من التخوف والتردد لدى فئات واسعة من المواطنين تجاه المعاملات الرقمية، مما يتطلب عملاً مكثفاً لتغيير العقليات وبناء الثقة.

جهود وطنية لإنعاش المنظومة الرقمية

لتجاوز هذه الإكراهات، بادرت المملكة باتخاذ خطوات عملية هامة:

  • Morocco Fintech Center: تم إحداث هذا المركز ليكون بمثابة "نافذة موحدة" ترافق المقاولات الناشئة وتساعدها على تخطي العقبات القانونية والإدارية.
  • الاستثمار في البنية التحتية: ضخ بنك المغرب والمؤسسات الشريكة ميزانيات ضخمة لتطوير الأداء عبر الهاتف المحمول (Mobile Money).
  • آلية "وكيل الأداء": تتيح هذه النافذة للشركات الناشئة تقديم عروضها عبر مؤسسات الأداء المرخصة، مع التركيز على "حالات استعمال" (Use Cases) مخصصة تلبي الاحتياجات اليومية والواقعية للمواطن المغربي.

الأمان المالي والشركات الرائدة

يطمئن الخبراء الزبناء بأن المغرب يمتلك أسساً تكنولوجية قوية وصارمة تستجيب للمعايير الدولية للأمن المالي. ويسجل التاريخ المالي للمملكة نجاحات لمقاولات مغربية بدأت كـ "فينتيك" منذ تسعينيات القرن الماضي، وتمكنت من التوسع والاشتغال في دول عديدة خارج الحدود. ويُنظر إلى الفينتيك اليوم كأداة حاسمة لتحقيق الإدماج المالي للفئات التي لا تتوفر على حسابات بنكية.

نصائح ذهبية للشباب والمقاولين المستقبليين

المنظومة الحالية توفر فرصة ذهبية للشباب المغربي، خاصة مع التوجه الوطني نحو تقليص التعامل بالكاش. ومن أبرز التوجيهات الموجهة للطلبة والخريجين الراغبين في دخول هذا العالم:

  • التكوين والاحتياك بالميدان: يُنصح الشباب بالولوج إلى شركات الفينتيك أو الأبناك كمتدربين (Interns) لفهم كواليس المعاملات عن قرب، لأن المجال يعتمد على الممارسة الواقعية وليس فقط على الأفكار النظرية.
  • استغلال رغبة الدولة في الابتكار: الأبواب مفتوحة الآن لتطوير حلول محلية مبتكرة تحاكي كبريات الشركات العالمية (مثل خلق "PayPal" بنكهة مغربية).
  • النزول إلى الميدان: الرقمنة في المغرب جاءت لتكمل المنظومة وتسهل الحياة اليومية، والفرصة سانحة لمن يمتلك العزيمة للنزول إلى الميدان والابتكار.

تظل التكنولوجيا المالية الرهان القادم للمغرب لتعزيز اقتصاده الرقمي، والكرة الآن في مرمى المشرّع لتسريع القوانين، وفي مرمى الشباب المبتكر لقيادة هذا التغيير.